أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
649
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
آخرين ، وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة : هل تحتاج إلى حذف مضاف أم لا ؟ فجمهور المعربين يقدّرون : هل تستطيع سؤال ربك ، وقال الفارسي : « وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير « سؤال » على أن يكون المعنى : هل تستطيع أن ينزّل ربّك بدعائك ، فيردّ المعنى - ولا بد - إلى مقدّر يدل عليه ما ذكر من اللفظ » . قال الشيخ « 1 » : « وما قاله غير ظاهر لأنّ فعله تعالى وإن كان مسببا من الدعاء فهو غير مقدور لعيسى » . واختار أبو عبيد هذه القراءة قال : « لأنّ القراءة الأخرى تشبه أن يكون الحواريّون شاكّين ، وهذه لا توهم ذلك » . قلت : وهذا بناء من الناس على أنهم كانوا مؤمنين ، وهذا هو الحقّ . قال ابن الأنباري : « لا يجوز لأحد أن يتوهّم على الحواريين أنهم شكّوا في قدرة اللّه تعالى » وبهذا يظهر أنّ قول الزمخشري أنهم ليسوا مؤمنين ليس بجيد وكأنه خارق للإجماع . قال ابن عطية : « ولا خلاف أحفظه أنهم كانوا مؤمنين » . وأمّا القراءة الأولى فلا تدلّ له لأن الناس أجابوا عن ذلك بأجوبة منها : أنّ معناه : هل يسهل عليك أن تسأل ربّك ، كقولك لآخر : هل تستطيع أن تقوم ؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك . ومنها : أنهم سألوه سؤال مستخبر : هل ينزّل أم لا ، فإن كان ينزّل فاسأله لنا . ومنها : أنّ المعنى هل يفعل ذلك وهل يقع منه إجابة لذلك ؟ ومنه ما قيل لعبد اللّه بن زيد : هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يتوضأ ؟ أي : هل تحبّ ذلك ؟ وقيل : المعنى : هل يطلب ربّك الطاعة من نزول المائدة ؟ قال أبو شامة : « مثل ذلك في الإشكال ما رواه الهيثم - وإن كان ضعيفا - عن ثابت عن أنس أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عاد أبا طالب في مرض فقال : يا بن أخي ادع ربّك الذي تعبده فيعافيني . فقال : اللهم اشف عمي ، فقام أبو طالب كأنما نشط من عقال . فقال : يا بن أخي إنّ ربك الذي تعبد ليطيعك . قال : وأنت يا عمّاه لو أطعته ، أو : لئن أطعت اللّه ليطيعنّك أي : ليجيبنّك إلى مقصودك . قلت : والذي حسّن ذلك المقابلة منه صلّى اللّه عليه وسلّم للفظ عمّه كقوله : « وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ » « 2 » وقيل : التقدير : هل يطيع ؟ فالسين زائدة كقولهم : استجاب وأجاب ، قال : 1852 - وداع دعا يا من يجيب إلى النّدى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب « 3 » وبهذه الأجوبة يستغنى عن قول من قال : « إنّ يستطيع زائدة » والمعنى : هل ينزّل ربّك ، لأنه لا يزاد من الأفعال إلا « كان بشرطين ، وشذّ زيادة غيرها في مواضع عددتها في غير هذا الكتاب ، على أنّ الكوفيين يجيزون زيادة بعض الأفعال مطلقا ، حكوا : « قعد فلان يتهكّم بي » ، وأنشدوا : 1853 - على ما قام يشتمني لئيم * كخنزير تمرّغ في رماد « 4 » وحكى البصريون على وجه الشذوذ : « ما أصبح أبردها وما أمسى أدفأها » يعنون الدنيا . قوله : أَنْ يُنَزِّلَ في قراءة الجماعة في محل نصب مفعولا به أي : الإنزال . وقال أبو البقاء : « والتقدير : على أن ينزّل ، أو في أن ينزّل ، ويجوز ألّا يحتاج إلى حرف جر على أن يكون « يَسْتَطِيعُ » بمعنى « يطيق » . قلت : إنما احتاج إلى تقدير حرفي الجرّ في الأول لأنه حمل الاستطاعة على الإجابة ،
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 54 ) . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية ( 54 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) تقدم .